التسمم الدموي في الأرانب: تحديات التشخيص والوقاية والإدارة
بقلم : الدكتورة / جيهان محمد الصادق
باحث بقسم البكتريولوجي- معهد بحوث صحة الحيوان- معمل الزقازيق- مركز البحوث الزراعية- مصر
يُعد التسمم الدموي في الأرانب، المعروف طبياً ب (Sepsis)، حالة صحية بالغة الخطورة وقد تكون مميتة.
التسمم الدموي في الأرانب
تنشأ هذه الحالة عندما تتفشى عدوى داخل جسم الأرنب وتطلق سموماً في مجرى الدم، مما يؤدي إلى استجابة التهابية جهازية تؤثر على وظائف الأعضاء الحيوية.
يتطلب الأمر من مربي الأرانب التعرف الفوري على علامات هذه الحالة لاتخاذ إجراءات عاجلة، نظراً لسرعة تطورها وتهديدها للحياة.
في اللغة العربية، يُستخدم مصطلح “التسمم الدموي” بشكل واسع ليشمل مرض النزف الفيروسي للأرانب (RHDV) والتسمم الدموي البكتيري.
كلا الشكلين يسببان خسائر اقتصادية فادحة في مزارع الأرانب بسبب ارتفاع معدلات النفوق .
ففي حين أن التسمم الدموي الفيروسي هو مرض فيروسي لا يوجد له علاج محدد، فإن التسمم الدموي البكتيري هو عدوى بكتيرية يمكن علاجها بالمضادات الحيوية.
هذا التمييز الدقيق أمر حيوي لضمان إدارة فعالة للمرض وتقليل العواقب الوخيمة على صحة الحيوان والإنتاجية الاقتصادية.
التسمم الدموي البكتيري (Bacterial Septicemia)
يُعد التسمم الدموي البكتيري في الأرانب حالة خطيرة تنجم عن انتشار العدوى البكتيرية في مجرى الدم، مما يسبب استجابة التهابية جهازية.
تتعدد أنواع البكتيريا التي يمكن أن تسبب التسمم الدموي في الأرانب، ومن أبرزها:
باستريلا ملتوسيدا (Pasteurella multocida)الباستريلوزيس : تُعد البكتيريا الأكثر شيوعاً المسببة للتسمم الدموي البكتيري في الأرانب. هي بكتيريا سالبة الجرام وغير متحركة ، وتتميز بشدة العدوى، حيث تنتقل بالاتصال المباشر أو عبر الرذاذ. يُعتقد أن العديد من الأرانب البالغة تكون حاملة للمرض بدون ظهور أعراض. يمكن أن تسبب الباستريلا تسمماً دموياً مباشراً يؤدي إلى النفوق المفاجئ.
كلوستريديوم (Clostridium spp.):
كلوستريديوم سبيروفورم (Clostridium spiroforme): يسبب التسمم المعوي، خاصة في الأرانب الصغيرة التي تتراوح أعمارها بين 4 و 8 أسابيع بعد الفطام. تفرز هذه البكتيريا سموماً داخلية تؤدي إلى إسهال حاد، آلام في البطن، ونفوق مفاجئ.
كلوستريديوم بيليفورم (Clostridium piliforme): المسبب لمرض تايزر (Tyzzer’s disease)، الذي يتميز بإسهال مائي غزير، جفاف، ومعدل نفوق عالٍ، خاصة في الأرانب المفطومة حديثاً. يرتبط هذا المرض بسوء الصرف الصحي والإجهاد.
كلوستريديوم سيبتيكوم (Clostridium septicum): تم الإشارة إليه في حالات النفوق المفاجئ في مزارع التربية، حيث يسبب التهاباً معوياً نخرياً ونزفياً.
فرانسيسيلا تولارينسيس (Francisella tularensis)التولاريميا/حمى الأرانب: بكتيريا سالبة الجرام داخل الخلايا. تسبب تسمماً دموياً خطيراً، خاصة في القوارض البرية والأرانب. تنتقل عن طريق لدغات المفصليات أو الاتصال بالحيوانات المصابة أو أنسجتها. يمكن أن تكون معدلات النفوق عالية إذا لم تعالج. يُعتبر هذا الميكروب خطراً على صحة الإنسان أيضاً.
إي كولاي (E. coli) القولونية: يمكن أن تسبب إسهالاً حاداً في الأرانب، خاصة في صغار السن وبعد الفطام. تميل هذه البكتيريا إلى التكاثر عندما يصاب الأرنب بالإسهال لأي سبب.
ليستيريا مونوسيتوجينز (Listeria monocytogenes) الليستريا: تصيب جميع الأعمار، مع كون الأرانب الكبيرة أكثر عرضة للإصابة. ترتبط هذه البكتيريا بالتربة الرطبة ومكونات الفرشة الملوثة وعوامل الإجهاد.
إن العديد من الأسباب البكتيرية المذكورة أعلاه )مثل الباستريلا، الكلوستريديوم، والإي كولاي( غالباً ما ترتبط بعوامل مهيئة مثل الإجهاد، سوء النظافة، سوء التغذية، أو نقاط ضعف مرتبطة بالعمر. هذا يشير إلى أن العديد من حالات التسمم الدموي البكتيري ليست عدوى أولية في الأرانب السليمة التي تتم إدارتها بشكل جيد، بل هي أمراض انتهازية تستغل نقاط الضعف في الجهاز المناعي للعائل أو أوجه القصور البيئية. هذا الفهم يعزز أهمية الإدارة الشاملة، بما في ذلك التغذية السليمة، وتقليل الإجهاد، والنظافة الجيدة، كاستراتيجية وقائية أساسية، بدلاً من الاعتماد فقط على المضادات الحيوية كإجراء علاجي.
تتأثر الأرانب بعدوى التسمم الدموي البكتيري بمجموعة واسعة من عوامل الخطورة التي تزيد من قابليتها للإصابة وانتشار المرض:
عوامل عامة: تشمل الجروح المفتوحة، العضات، والإجراءات الجراحية التي يمكن أن تكون بوابات لدخول البكتيريا إلى مجرى الدم.
يلعب ضعف الجهاز المناعي دوراً حاسماً، والذي قد ينجم عن الإجهاد، سوء التغذية، الأمراض المزمنة، أو العمر.
كما تساهم الظروف البيئية السيئة مثل سوء النظافة، الإزدحام، وتلوث المكان بالبراز أو البول في زيادة خطر العدوى.
التغيرات المفاجئة في العليقة، أو العليقة الغنية بالطاقة أو النشويات، يمكن أن تؤثر سلباً على صحة الجهاز الهضمي.
بالإضافة إلى ذلك، تزيد كل من الرطوبة العالية، سوء التهوية، وارتفاع مستويات الأمونيا في بيئة الأرانب من قابلية الإصابة.
عوامل محددة: يمكن أن تؤدي التهابات المسالك البولية ومشاكل الكلى إلى دخول البكتيريا إلى مجرى الدم.
كما أن اضطرابات الجهاز الهضمي، مثل توقف حركة الجهاز الهضمي (GI stasis)، يمكن أن تسبب خللاً في البكتيريا المعوية وتسمح بدخول البكتيريا الضارة إلى الدم. يُعد إجهاد الفطام فترة حرجة تزيد من تعرض الأرانب الصغيرة للعدوى.
إن القائمة الشاملة لعوامل الخطر للتسمم الدموي البكتيري تكشف عن ارتباط قوي بين الضغوط البيئية وقابلية العائل للإصابة بالأمراض.
هذه ليست مجرد مجموعة من الأسباب، بل هي مشكلة نظامية. يترتب على ذلك أن إدارة صحة الأرانب بفعالية تتطلب نهجاً شاملاً يولي الأولوية للظروف البيئية المثلى وممارسات التربية الجيدة لتعزيز دفاعات الأرانب الطبيعية، وبالتالي تقليل احتمالية تصاعد العدوى البكتيرية الانتهازية إلى تسمم دموي.
هذا النهج يسلط الضوء على فلسفة إدارة الأمراض الاستباقية، بدلاً من مجرد رد الفعل.
تتنوع الأعراض السريرية للتسمم الدموي البكتيري بشكل كبير، مما يجعل التشخيص الدقيق تحدياً:
التسمم الدموي البكتيري العام: قد تشمل الأعراض الخمول، قلة النشاط، وفقدان الشهية. يمكن ملاحظة سرعة في التنفس وإفرازات أنفية.
قد يعاني الأرنب من حمى أو انخفاض في درجة الحرارة ، وبرودة في الأطراف (الأذنين، الكفوف، الذيل).
قد يظهر الجلد شاحباً أو متقرحاً، والفرو أشعثاً.
من العلامات الشائعة أيضاً وجود تورمات أو خراجات في أجزاء مختلفة من الجسم. قد تظهر علامات الألم مثل طحن الأسنان، الأرق، أو اتخاذ وضعية القرفصاء. في الحالات المتقدمة، قد يحدث فقدان في التنسيق.
الباستريلوزيس (Pasteurellosis) تحديداً: تتميز بأعراض تنفسية مثل الرشح (snuffles)، العطس، السعال، إفرازات أنفية وعينية، وتنفس صاخب، وقد يلاحظ فرو متقشر على مقدمة الكفوف نتيجة مسح الأنف. يمكن أن تتطور الحالة إلى التهاب رئوي صديدي.
تظهر الخراجات بشكل شائع تحت الجلد، أو في الأعضاء الحشوية، أو في الفك.
قد تؤدي العدوى إلى التهابات الأذن الوسطى أو الداخلية، مما يسبب ميل الرأس وفقدان التوازن.
كما يمكن أن تتسبب في التهابات الجهاز التناسلي، مثل العقم والإفرازات المهبلية في الإناث، والتهاب الخصية في الذكور.
في بعض الحالات، قد يحدث نفوق مفاجئ.
التسمم المعوي/القولونية: تتميز هذه الأمراض بإسهال حاد وشديد (قد يكون مدمماً)، جفاف، فقدان الشهية، آلام في البطن، انتفاخ، ضعف عام، ونفوق مفاجئ.
التولاريميا (Tularemia): تتميز ببداية سريعة للحمى وتجرثم الدم. يمكن أن تسبب إصابة كبدية حادة ووفاة.
تُعد الصفة التشريحية بعد الوفاة ضرورية للتشخيص الدقيق:
للتسمم الدموي البكتيري العام: قد تكشف النتائج عن احتقان ونزيف نقطي في أعضاء متعددة.
يلاحظ تضخم الأوعية الدموية مع نزيف متفرق على الرئتين، القلب، الكبد، والأنسجة الأخرى، بالإضافة إلى احتقان شديد في الأمعاء. قد تظهر التهابات الأمعاء الغليظة والأعور النخرية النزفية.
يمكن رؤية تضخم في الكبد والطحال مع وجود بقع نخرية بيضاء. قد يلاحظ تضخم العقد الليمفاوية، ووجود سوائل في التجويف الصدري والتأمور.
في الإناث، قد توجد التهابات صديدية في الرحم والأجهزة التناسلية ، وفي الأمهات الحوامل النافقة، قد تظهر أجنة جافة.
إن الأعراض السريرية للتسمم الدموي البكتيري متنوعة للغاية وغالباً ما تكون غير محددة، وتتداخل مع العديد من أمراض الأرانب الأخرى.
هذا يجعل التشخيص السريري الدقيق صعباً.
كما أن الإشارة المتكررة إلى “النفوق المفاجئ” حتى في الحالات البكتيرية تسلط الضوء على الدور الحاسم للفحص بعد الوفاة(التشريح) والفحص النسيجي.
هذه الفحوصات يمكن أن تكشف عن آفات عضوية محددة (مثل التهاب الأمعاء الغليظة النخري للكلوستريديوم ؛ آفات الكبد المحددة للتولاريميا ؛ التهاب الرئة الصديدي للباستريلا) وتميزها عن النخر المنتشر في RHDV.
يترتب على ذلك أنه من أجل التشخيص النهائي والمكافحة الفعالة للأمراض، خاصة في حالات التفشي، يجب على الأطباء البيطريين إعطاء الأولوية للتحقيقات بعد الوفاة.
نظراً للطبيعة غير المحددة للعديد من أعراض التسمم الدموي البكتيري واحتمال التقدم السريع نحو الوفاة، تُعد التشخيصات المخبرية ضرورية وحاسمة.
عام: يمكن أن تكون عينات الدم والبول مفيدة في التقييم العام للحالة الصحية، على الرغم من أن تفسير النتائج قد يكون صعباً في بعض الأحيان.
يُعد تحليل الدم الآلي (Automated flow cytometry) موثوقاً به لقياس معظم معايير الدم في الأرانب.
فحوصات الدم: يمكن أن توفر فحوصات الدم معلومات حول تعداد كريات الدم الحمراء واستجابة كريات الدم البيضاء للعدوى، بالإضافة إلى تقييم الكيمياء الحيوية لوظائف الكبد والكلى والأعضاء الأخرى.
قد تظهر النتائج نقصاً معتدلاً في كريات الدم البيضاء مع نقص كبير في الخلايا الليمفاوية.
كما يمكن أن يكشف تحليل البول عن معلومات إضافية حول وظائف الكلى واختلالات الوظائف.
الأرانب
الزرع البكتيري المحدد: يُعد أخذ مسحة أنفية لزرع البكتيريا لتحديد الباستريلا أمراً شائعاً. كما يمكن زرع البكتيريا من الأنسجة المصابة، مثل الأعور والقولون في حالات الكلوستريديوم ، أو الكبد لتحديد
Francisella tularensis.
الاختبارات المصلية (Serological Tests): متاحة لبعض المسببات المرضية، مثل Encephalitozoon cuniculi، ولكن أهمية العيارات الإيجابية للأجسام المضادة ليست واضحة دائماً في تحديد العدوى النشطة.
تفاعل البلمرة المتسلسل (PCR): يُستخدم لتحديد البكتيريا بشكل محدد، كما هو الحال في تشخيص Francisella tularensis.
إن التشخيص النهائي غالباً ما يتطلب زرع البكتيريا واختبار الحساسية للمضادات الحيوية من الأنسجة أو الإفرازات المصابة.
هذا أمر بالغ الأهمية لتوجيه العلاج بالمضادات الحيوية المناسب ومنع تطور مقاومة المضادات الحيوية.
لذلك، فإن الاستثمار في المختبرات البيطرية التشخيصية القادرة على إجراء هذه الاختبارات، وتسهيل الوصول إليها، أمر حيوي للإدارة الفعالة للأمراض البكتيرية في الأرانب.
على الرغم من أن المضادات الحيوية هي العلاج الأساسي للتسمم الدموي البكتيري، إلا أن استخدامها في الأرانب معقد بسبب حساسية الجهاز الهضمي لديها.
بعض المضادات الحيوية الشائعة تكون قاتلة عند إعطائها عن طريق الفم.
هذا يستلزم اختياراً دقيقاً للمضادات الحيوية الآمنة والالتزام الصارم بالتوجيهات البيطرية.
علاوة على ذلك، فإن ظهور مقاومة المضادات الحيوية (على سبيل المثال، للإنروفلوكساسين ) يسلط الضوء على قلق أوسع في مجال الصحة العامة.
لذلك، فإن الإشراف المسؤول على المضادات الحيوية، بما في ذلك اختبار الزرع والحساسية، أمر بالغ الأهمية للحفاظ على فعاليتها.
العلاج بالمضادات الحيوية: يُعد العلاج بالمضادات الحيوية الدعامة الأساسية للعلاج. البدء المبكر بالعلاج بجرعات كاملة أمر بالغ الأهمية لتحقيق الفعالية ومنع تطور المقاومة البكتيرية.
المضادات الحيوية الآمنة: تشمل تريميثوبريم سلفا (Tribrissen)، إنروفلوكساسين (Baytril) ، كلورامفينيكول، فلورفينيكول (NuFlor)، سيبروفلوكساسين، وأميكاسين.
المضادات الحيوية التي يجب تجنبها عن طريق الفم: يجب تجنب بعض المضادات الحيوية عند إعطائها عن طريق الفم للأرانب، مثل البنسلين، الأموكسيسيلين، اللينكومايسين، الكليندامايسين، والإريثرومايسين، حيث يمكن أن تكون قاتلة بسبب اضطرابها للبكتيريا الطبيعية في الجهاز الهضمي.
طرق الإعطاء: يمكن إعطاء المضادات الحيوية عن طريق الفم، أو الحقن، أو بالرذاذ (خاصة في حالات الالتهاب الرئوي).
المدة: يجب أن يستمر العلاج بالمضادات الحيوية لمدة لا تقل عن 2-4 أسابيع، وغالباً ما تكون 30 يوماً، وقد تمتد إلى عدة أشهر في الحالات المزمنة.
الاحتياطات: تُعد الرعاية الداعمة جزءاً لا يتجزأ من خطة العلاج لتعزيز شفاء الأرنب:
توفير بيئة نظيفة، جيدة التهوية، وغير مزدحمة لتقليل الإجهاد وتحسين الظروف الصحية.
تقليل مستويات الإجهاد على الأرنب قدر الإمكان.
توفير تغذية سليمة تشمل القش أو العشب عالي الجودة، والخضروات والفواكه الطازجة، والماء النظيف والمتاح باستمرار.
إعطاء السوائل لتعويض الجفاف، بالإضافة إلى مضادات الالتهاب ومسكنات الألم للتحكم في الأعراض وتقليل الانزعاج.
قد يستفيد الأرنب أيضاً من العلاج بالبخار والبروبيوتيك لدعم الجهاز التنفسي والهضمي.
التدخل الجراحي: قد يكون ضرورياً في حالات وجود الخراجات، حيث أن خراجات الأرانب تتميز بجدران سميكة وصديد صلب، مما يجعل تصريفها البسيط غير فعال.
تعرف على أكبر مكتبة أرشفيفة فى المجال البيطري من خلال صفحة الفيسبوك لـ قلم بيطري
References:
–Animal and Plant Health Inspection Service. (2020). General Guidance for Cleaning and Disinfection of Rabbit Hemorrhagic Disease Virus (RHDV) Contaminated Premises. [fact sheet]. United States Department of Agriculture.
–Hayhow, C. (2020). Rabbit Hemorrhagic Disease (RHD) in the U.S. Domestic Rabbits,48(1), 14-15.
–World Organisation for Animal Health (2018). Chapter 13.2. Rabbit haemorrhagic disease. In: Terrestrial Animal Health Code, Twenty-seventh edition. OIE, Paris.