بقلم: الدكتورة / الاء سمير احمد
مقدمه :
تُعد التغيرات المناخية من أخطر التحديات البيئية التي تواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين.
فقد أصبح الاحتباس الحراري وإرتفاع درجات الحرارة والتغير في أنماط الأمطار والظواهر المناخية المتطرفة واقعًا يهدد النظم البيئية وصحة الكائنات الحية كافة.
التغيرات المناخية
إن الصحة الواحدة (One Health)، التي تربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة في إطار متكامل، تمثل العدسة التي يمكن من خلالها فهم التأثيرات المتشابكة لهذه التغيرات المناخية على الكوكب بأسره.
فالتغير المناخي لا يؤثر فقط على البيئة الطبيعية، بل يؤدي أيضًا إلى زيادة إنتشار الأمراض الحيوانية المنشأ (Zoonotic Diseases)، وتهديد الأمن الغذائي والمائي، وتفاقم مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية، مما يجعل التصدي له مسؤولية مشتركة بين الأطباء، والأطباء البيطريين، والعلماء البيئيين.
مفهوم التغيرات المناخية وأبعادها البيئية
التغير المناخي يشير إلى التحولات طويلة الأمد في درجات الحرارة وأنماط الطقس نتيجة للأنشطة البشرية، خاصة حرق الوقود الأحفوري الذي يطلق غازات الاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان.
وفقًا لتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC 2023)، ارتفعت درجة حرارة الأرض بمقدار 1.1 درجة مئوية منذ الثورة الصناعية، ويتوقع أن تتجاوز 1.5 درجة خلال العقود القادمة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة للحد من الانبعاثات.
تؤثر هذه التغيرات في:
-
الموارد المائية: زيادة الجفاف في مناطق وانهمار الفيضانات في مناطق أخرى⸲
-
النظم البيئية: فقدان التنوع البيولوجي وهجرة الأنواع البرية⸲
-
الزراعة: انخفاض إنتاجية المحاصيل وزيادة انتشار الآفات.
هذه العوامل مجتمعة تُحدث اضطرابات بيئية تؤثر على صحة الإنسان والحيوان والأنظمة الإيكولوجية بأكملها.
التغيرات المناخية وصحة الإنسان
-
الأمراض المنقولة بالنواقل
ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة يسهم في زيادة تكاثر الحشرات الناقلة للأمراض مثل البعوض والقراد والذباب الرملي، مما يؤدي إلى توسع نطاق انتشار أمراض مثل: الملاريا (Malaria)⸲حمى الضنك⸲ (Dengue Fever)⸲ فيروس زيكا (Zika Virus)⸲ حمى غرب النيل (West Nile Fever)
تظهر دراسات حديثة أن البعوض من نوع Aedes aegypti أصبح ينتشر في مناطق جديدة لم يكن موجوداً فيها سابقاً بسبب ارتفاع درجات الحرارة، مما يعرض ملايين الأشخاص لخطر العدوى.
-
الأمراض التنفسية
يؤدي تلوث الهواء الناتج عن الانبعاثات الصناعية وحرائق الغابات إلى زيادة الأمراض التنفسية المزمنة مثل الربو والتهاب الشعب الهوائية. كما أن موجات الحر الشديدة تسبب إجهاداً حرارياً قد يؤدي إلى الوفاة لدى كبار السن والأطفال.
-
الأمن الغذائي
تؤثر التغيرات المناخية على الزراعة والمياه وبالتالي على توفر الغذاء وجودته. نقص المحاصيل يؤدي إلى سوء تغذية، وزيادة استخدام المبيدات والأسمدة يفاقم من المخاطر الصحية على المستهلكين.
-
الكوارث الطبيعية والصحة النفسية
الكوارث مثل الفيضانات والعواصف تؤدي إلى نزوح السكان وفقدان الممتلكات وتدهور الصحة النفسية، مما يجعل آثار المناخ تمتد إلى الجوانب الاجتماعية والعقلية للصحة العامة.
تأثير التغيرات المناخية على صحة الحيوان
-
إنتقال الأمراض الحيوانية المنشأ:
تؤثر التغيرات المناخية على توزيع الحيوانات البرية والداجنة، وعلى انتشار مسببات الأمراض. فمع ارتفاع الحرارة، تنتقل الطفيليات والفيروسات إلى مناطق جديدة.
على سبيل المثال: انتشار حمى الوادي المتصدع (Rift Valley Fever) في مناطق جديدة بسبب تغير أنماط الأمطار. زيادة حالات اللسان الأزرق (Bluetongue) في الماشية بأوروبا. انتقال إنفلونزا الطيور (Avian Influenza) نتيجة لهجرة الطيور غير المنتظمة بسبب تغير المناخ.
-
الإجهاد الحراري للحيوانات:
ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الحيوانية (الحليب، اللحوم، البيض) ويؤثر على الخصوبة والمناعة، مما يزيد من القابلية للإصابة بالأمراض.
-
تأثير تدهور البيئة على التنوع الحيواني:
تدمير المواطن الطبيعية بسبب الجفاف والحرائق يدفع الحيوانات البرية إلى الاقتراب من المناطق السكنية والزراعية، مما يزيد الاحتكاك بين الإنسان والحيوان ويضاعف فرص انتقال العدوى.
التغير المناخي والبيئة
-
تلوث الهواء والمياه
ارتفاع درجات الحرارة وزيادة النشاط الصناعي يؤديان إلى تراكم الملوثات، مما يؤثر على جودة الهواء والمياه. هذه الملوثات تدخل السلسلة الغذائية وتؤثر على الكائنات الحية الدقيقة والنباتات والحيوانات.
كما تؤدي الفيضانات إلى اختلاط مياه الصرف الصحي بمصادر الشرب، ما يسهم في انتشار أمراض مثل الكوليرا والتيفويد.
-
تدهور النظم البيئية
فقدان الغابات وتدهور الأراضي الزراعية والتصحر يؤثر على دورة الحياة الطبيعية ويقلل من التنوع البيولوجي.
هذا التدهور ينعكس سلباً على خدمات النظام البيئي مثل تنقية الهواء والمياه وتلقيح النباتات وتنظيم المناخ المحلي.
-
ذوبان الجليد وتهديد الحياة البحرية
يؤدي ذوبان الجليد إلى ارتفاع مستوى سطح البحر، مما يهدد السواحل والمدن، ويؤثر على الثروة السمكية بسبب التغير في درجة حرارة المياه وحموضتها.
التغيرات المناخية من منظور “الصحة الواحدة“:
إن تأثير التغير المناخي لا يمكن تحليله بمعزل عن مفهوم الصحة الواحدة، لأن كل مكون من المكونات الثلاثة (الإنسان – الحيوان – البيئة) يؤثر في الآخر.
من خلال هذا النهج، يتم التعامل مع المشكلة من منظور شامل يشمل:
-
الترصد والمراقبة المشتركة:
إنشاء نظم إنذار مبكر للأمراض الناشئة تعتمد على بيانات بشرية وبيطرية وبيئية مشتركة.
-
البحث العلمي والتعاون الدولي:
تشجيع الدراسات التي تدمج بين علوم المناخ والطب والبيطري والبيئة لفهم العلاقة بين التغير المناخي والأمراض الحيوانية المنشأ.
التخطيط البيئي المستدام:
تطبيق سياسات تقلل الانبعاثات الكربونية وتحافظ على الغابات والموارد المائية.
التوصيات :
-
رفع وعي المجتمعات حول أهمية السلوك البيئي المسؤول
يمثل الوعي المجتمعي حجر الأساس في الحد من آثار التغيرات المناخية. فالسلوكيات اليومية للأفراد والمجتمعات تؤثر بشكل مباشر على البيئة، وبالتالي على صحة الإنسان والحيوان.
-
تقليل النفايات واستخدام الطاقة النظيفة
هذه التوصية من أهم ركائز مواجهة التغيرات المناخية، لما لها من تأثير مباشر على البيئة وصحة الكائنات الحية.
أولاً: تقليل النفايات:
-
التحكم فى الحرق الحرق العشوائي لتقليل تلوث الهواء.
-
تسرب المواد الكيميائية من المدافن العشوائية منع للحد من تلوث المياه.
-
منع وصول الحشرات والقوارض لتجمعات القمامة لتقليل انتشار الأمراض التي تنقلها .
ثانياً: استخدام الطاقة النظيفة
لأن مصادر الطاقة النظيفة لا تنتج ملوثات تدمر المواطن الطبيعية.
الطاقة النظيفة تشمل:
-
الطاقة الشمسية
-
طاقة الرياح
-
الطاقة المائية
-
الطاقة الحيوية
-
السيارات الكهربائية والهجينة