المضادات الحيوية

“حين تفقد الأدوية سحرها: مقاومة المضادات الحيوية وتحدي الصحة الواحدة”

بقلم: الدكتورة / الاء سمير احمد

منذ اكتشاف البنسلين على يد ألكسندر فليمنغ عام 1928، اعتُبرت المضادات الحيوية ثورة طبية غيرت مجرى التاريخ البشري، إذ أنقذت ملايين الأرواح من أمراض كانت تُعد قاتلة.
لكن هذه النعمة تحولت تدريجياً إلى تهديد عالمي خفى، مع ظهور ظاهرة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية (Antimicrobial Resistance – AMR)، والتي تُعد اليوم من أخطر التحديات التي تواجه الصحة الواحدة على مستوى العالم.

المضادات الحيوية

إن مقاومة المضادات الحيوية ليست مشكلة تخص الإنسان وحده، بل تشمل الحيوان والبيئة في حلقة مترابطة من التأثيرات المتبادلة.

فالإفراط في استخدام المضادات في الطب البشري والبيطري والزراعة أدى إلى انتشار جينات المقاومة في البيئة، مهدداً قدرة البشرية على علاج الأمراض المعدية في المستقبل القريب.

مفهوم مقاومة المضادات الحيوية

تُعرف مقاومة المضادات الحيوية بأنها قدرة الكائنات الدقيقة مثل البكتيريا والفطريات والطفيليات على البقاء والنمو رغم التعرض لمضاد ميكروبي كان من المفترض أن يقضي عليها.
تنشأ المقاومة عبر طفرات جينية أو نقل جينات مقاومة بين الميكروبات، ثم تنتقل هذه الميكروبات عبر الإنسان والحيوان والماء والتربة والغذاء.

تشير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن مقاومة المضادات الحيوية تؤدي سنويًا إلى وفاة ما يزيد عن 1.3 مليون شخص بشكل مباشر، وقد يتضاعف الرقم بحلول عام 2050 إذا لم تُتخذ إجراءات حازمة.

العلاقة بين مقاومة المضادات والصحة الواحدة

يُعد نهج الصحة الواحدة (One Health) الإطار الأنسب لفهم هذه الأزمة، إذ يربط بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة ضمن نظام بيئي مشترك.

الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية في العلاج الذاتي أو دون وصفة طبية يُعد من أبرز الأسباب وراء زيادة المقاومة.
كما تسهم العدوى المكتسبة في المستشفيات (Hospital-acquired infections) في نشر سلالات بكتيرية مقاومة مثل: الاستافيلوكوكس المقاوم للميثيسيلين (MRSA) و  الايشيريشيا كولاي المنتجة لإنزيمات ESBLو الكليبسيلا نيمونى المقاومة للكاربينيم⸲ حيث ان هذه السلالات أصبحت تهدد نجاح العمليات الجراحية والعلاج الكيميائي وزرع الأعضاء بسبب ضعف فعالية المضادات.

في قطاع الإنتاج الحيواني، تُستخدم المضادات الحيوية ليس فقط للعلاج، بل أيضًا كمحفزات للنمو في الدواجن والماشية والأسماك.
هذا الاستخدام المفرط يؤدي إلى تراكم جينات المقاومة في ميكروبات الحيوان، والتي تنتقل بدورها إلى الإنسان عبر: الغذاء الملوث (اللحوم والحليب والبيض)⸲ الاحتكاك المباشر بين الإنسان والحيوان. المخلفات الحيوانية التي تلوث التربة والمياه.

تصل بقايا المضادات الحيوية من المستشفيات والمزارع الحيوانية إلى مصادر المياه والتربة، مما يخلق بيئة مثالية لانتقاء البكتيريا المقاومة.
وقد وُجدت بكتيريا مقاومة في أنهار ومياه شرب حتى في المناطق النائية، مما يدل على انتشار عالمي للمشكلة.

آليات تطور المقاومة

تستخدم البكتيريا عدة آليات لمقاومة المضادات الحيوية، منها:

  • تعديل أو تحطيم الدواء عبر إنزيمات مثل بيتالاكتاماز.

  • تغيير مواقع الارتباط بحيث لا يتمكن الدواء من التأثير.

  • منع دخول المضاد الحيوي إلى الخلية البكتيرية.

  • ضخ الدواء خارج الخلية باستخدام مضخات طرد.

  • نقل الجينات المقاومة بين البكتيريا عبر البلازميدات أو النقل الأفقي للجينات.

هذه الآليات تجعل من مقاومة المضادات ظاهرة ديناميكية ومتطورة باستمرار يصعب السيطرة عليها بالطرق التقليدية

الآثار الصحية والاقتصادية

زيادة معدلات الوفيات نتيجة فشل العلاج. إطالة مدة الإقامة في المستشفيات وزيادة تكاليف العلاج. صعوبة السيطرة على العدوى في وحدات العناية المركزة والجراحات المعقدة.

وفقًا لتقرير البنك الدولي (2023)، يمكن أن تتسبب مقاومة المضادات في خسائر اقتصادية عالمية تصل إلى 100 تريليون دولار بحلول عام 2050 إذا لم يتم التصدي لها بفعالية.

الآثار البيئية

تلوث التربة والمياه بالمضادات الحيوية يؤدي إلى اختلال التوازن الميكروبي في البيئة، مما يضعف قدرة النظم البيئية على تنقية الملوثات الطبيعية وتحليل المواد العضوية.

الآثار على الأمن الغذائي

تقل فعالية العلاج في الحيوانات المنتجة للغذاء، مما يؤدي إلى خسائر اقتصادية للمربين وارتفاع أسعار المنتجات الحيوانية، إضافة إلى خطر انتقال الميكروبات المقاومة إلى المستهلكين.

جهود المواجهة العالمية من منظور الصحة الواحدة

تبنت المنظمات الدولية خطة عمل مشتركة تعرف بـ
“الخطة العالمية لمكافحة مقاومة المضادات الحيوية” (Global Action Plan on AMR)
أطلقتها كل من WHO وFAO وWOAH وUNEP عام 2015 وتم تحديثها في 2022، وتركز على خمسة محاور رئيسية:

  • الترصد والمراقبة المشتركة (Surveillance): إنشاء أنظمة لجمع البيانات حول استخدام المضادات وحالات المقاومة في الإنسان والحيوان والبيئة. مثال: نظام GLASS التابع لمنظمة الصحة العالمية.

  • الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية: تطبيق سياسات تنظيم وصف المضادات في القطاعين البشري والبيطري. في بعض الدول الأوروبية تم حظر استخدام المضادات كمحفزات نمو للحيوانات منذ عام 2006.

  • الوقاية ومكافحة العدوى: عبر تعزيز النظافة الشخصية، وتعقيم المرافق الطبية، وتحسين ممارسات التربية الحيوانية.

  • الابتكار والبحث العلمي: دعم الأبحاث لتطوير مضادات جديدة وبدائل بيولوجية مثل اللقاحات والببتيدات المضادة للميكروبات والعلاج بالبكتريوفاج.

  • التثقيف والتوعية المجتمعية: إذ تلعب الثقافة العامة دوراً محورياً، فالاستخدام العشوائي للمضادات من قبل الأفراد يعد من أهم أسباب تفاقم المشكلة.

 الحلول المستقبلية والفرص:

من منظور الصحة الواحدة، يتطلب التصدي لمقاومة المضادات رؤية شمولية تعتمد على:

التعاون بين القطاعات الصحية والبيطرية والبيئية. تشجيع الزراعة المستدامة الخالية من المضادات الحيوية. تحسين معالجة مياه الصرف الصحي لمنع تلوث البيئة بالمضادات. تبني الذكاء الاصطناعي والتحليل الجيني للكشف المبكر عن جينات المقاومة. إطلاق برامج توعية عالمية تستهدف المدارس والمزارعين والعاملين في المجال الطبي.

إن مقاومة المضادات الحيوية ليست مجرد أزمة دوائية، بل هي تهديد وجودي للصحة العامة العالمية يمس الإنسان والحيوان والبيئة على حد سواء.
وما لم يُعتمد نهج الصحة الواحدة كأساس للتعاون الدولي، فإن البشرية قد تدخل عصر “ما بعد المضادات الحيوية”، حيث تعود العدوى البسيطة لتصبح قاتلة مرة أخرى.
الحل يكمن في الفهم المشترك، والتنسيق بين القطاعات، والاستثمار في البحث والتعليم لضمان مستقبل تُحافظ فيه الأدوية على فعاليتها وسحرها المنقذ للحياة.

المراجع

  1. World Health Organization (WHO). (2023). Global Action Plan on Antimicrobial Resistance: Progress Report. Geneva.

  2. Food and Agriculture Organization (FAO). (2024). One Health and Antimicrobial Resistance in Food Systems. Rome.

  3. World Organisation for Animal Health (WOAH). (2023). The OIE Strategy on Antimicrobial Resistance and the Prudent Use of Antimicrobials. Paris.

  4. Centers for Disease Control and Prevention (CDC). (2024). Antimicrobial Resistance Threats Report. Atlanta, USA.

  5. United Nations Environment Programme (UNEP). (2023). Environmental Dimensions of AMR: A One Health Perspective.

  6. World Bank. (2023). Economic Impact of Antimicrobial Resistance: A Global Analysis.

  7. Mackenzie, J. S., & Jeggo, M. (2023). One Health and Antimicrobial Resistance: Bridging Human, Animal, and Environmental Health. Tropical Medicine and Infectious Disease, 8(4): 92.

error: المحتوى محمي !!