بقلم : الدكتورة / الاء سمير احمد
في العقود الأخيرة، شهد العالم زيادة في ظهور الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، وازدياد التحديات البيئية التي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على صحة المجتمعات.
الإنسان والحيوان
هذه التحديات فرضت ضرورة تبني نهجٍ شاملٍ ومتكاملٍ يُعرف بـ “الصحة الواحدة” (One Health)، وهو إطار عمل يجمع بين صحة الإنسان والحيوان والبيئة في منظومة مترابطة تهدف إلى تحقيق أقصى درجات الرفاهية الصحية والاستدامة البيئية.
يرتكز هذا المفهوم على مبدأ أن صحة الإنسان لا يمكن فصلها عن صحة الحيوان والبيئة، فكلها عناصر متداخلة في شبكة بيئية واحدة.
مفهوم الصحة الواحدة وأهميته
يُعرف نهج الصحة الواحدة بأنه تعاون متعدد التخصصات والقطاعات يهدف إلى معالجة المخاطر الصحية المشتركة التي تنشأ عند تقاطع الإنسان والحيوان والبيئة. ويشمل هذا التعاون قطاعات الطب البشري والبيطري والزراعة والبيئة والصحة العامة.
ظهر هذا المفهوم بشكل واضح بعد الأزمات الصحية العالمية مثل إنفلونزا الطيور (H5N1)، وإنفلونزا الخنازير (H1N1)، وفيروس كورونا المستجد (COVID-19)، والتي أثبتت أن الأمراض الحيوانية المنشأ يمكن أن تتحول بسرعة إلى جائحة عالمية تؤثر على الاقتصاد والمجتمع والبيئة.
تشير منظمة الصحة العالمية (WHO)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) إلى أن أكثر من 60% من الأمراض المعدية المعروفة لدى البشر مصدرها الحيوانات، وأن حوالي 75% من الأمراض المعدية الناشئة حديثًا هي أمراض حيوانية المنشأ.
هذه الأرقام تؤكد أن حماية الإنسان تبدأ من مراقبة صحة الحيوان والبيئة المحيطة.
العلاقة بين صحة الإنسان وصحة الحيوان
تشترك الكائنات الحية في العديد من المسببات المرضية، مثل الفيروسات والبكتيريا والطفيليات والفطريات، التي يمكن أن تنتقل بين الإنسان والحيوان عبر طرق متعددة كالتلامس المباشر، أو الغذاء الملوث، أو الحشرات الناقلة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك:
امراض الفيروسيه:
-
داء الكلب (Rabies): مرض فيروسي قاتل ينتقل من الكلاب إلى الإنسان عن طريق العض. ويُعد القضاء على المرض في الكلاب أفضل وسيلة لحماية الإنسان.
-
الأنفلونزا الطيور (Avian Influenza): مثال واضح على الخطر المتبادل بين صحة الحيوان والإنسان، حيث يؤدي تفشي المرض في الطيور إلى خسائر اقتصادية وصحية كبيرة.
امراض البكتيريه:
حمى الببغاء(Chlamydia psittaci) : وهى عبارة عن بكتيريا تصيب الببغاوات وغيرها من أنواع الطيور التي يربيها البشر كحيوانات أليفة والدواجن، وتنتقل هذه العدوى للإنسان عن طريق استنشاق العدوى من الريش والإفرازات.-مرض خدش القطط (bartonella henselae): عدوى بكتيرية تظهر على جسم الإنسان مكان عضة القطة أو خدشها، وفي بعض الأحيان يتسبب هذا المرض في ارتفاع درجة الحرارة، وتورم العقد الليمفاوية. وقد يؤثر مرض خدش القطط على أصحاب المناعات الضعيفة وخاصًة الأطفال تأثيرات خطير، منها مضاعفات في الجهاز الهضمي ومجرى الدم وأحيانا القلب.
وعن طريق تسمم الغذاء:
-
السالمونيلا والإشريكية القولونية (E. coli): تنتقل عبر اللحوم أو البيض أو الحليب الملوث وتسبب أمراضًا معوية حادة.
الطب البيطري يلعب دوراً محورياً في كسر هذه السلسلة من العدوى من خلال التحصين، والمراقبة الوبائية، وتحسين ممارسات التربية الحيوانية، وضمان سلامة الغذاء.
-
العلاقة بين الصحة والبيئة
البيئة تمثل الإطار الذي تعيش فيه جميع الكائنات، وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على صحة الإنسان والحيوان.
فالتلوث الكيميائي والمبيدات الحشرية والاحتباس الحراري وتدهور التنوع البيولوجي تؤثر جميعها على النظم البيئية.
على سبيل المثال:
-
تلوث المياه يؤدي إلى انتشار الطفيليات والبكتيريا الممرضة مثل Vibrio cholerae المسبب للكوليرا.
-
تغير المناخ يسهم في توسيع نطاق انتشار الحشرات الناقلة مثل البعوض، ما يزيد من انتقال أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك.
-
التصحر وفقدان الغطاء النباتي يؤدي إلى اضطراب النظم البيئية وهجرة الحيوانات البرية، مما يزيد فرص الاحتكاك بينها وبين الإنسان.
إذن، الحفاظ على البيئة السليمة يُعد درعاً وقائياً ضد الأمراض الوبائية ويحافظ على توازن المنظومة البيئية ككل.
-
الاعمده الاساسيه لنهج الصحة الواحدة
بدأت العديد من الدول في تبني هذا النهج عملياً من خلال خطط وطنية مشتركة بين وزارات الصحة والزراعة والبيئة.
من أهم مجالات التطبيق:
-
مكافحة الأمراض المشتركة: مثل داء الكلب، الإنفلونزا الطيور ، والبروسيلا، من خلال حملات تطعيم ومراقبة مشتركة.
-
مكافحة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية (AMR): يمثل هذا الخطر تحديًا عالميًا يتطلب تنسيقًا بين الأطباء البيطريين والبشريين لتنظيم استخدام المضادات الحيوية في الإنسان والحيوان على حد سواء.
-
سلامة الغذاء: من خلال مراقبة المزارع والمسالخ ومياه الري وجودة الأعلاف لضمان خلو المنتجات الحيوانية من الملوثات.
-
التغيرات المناخيه: رصد الملوثات ومسببات الأمراض في التربة والمياه والهواء ضمن برامج إنذار مبكر للأوبئة.
-
التحديات والفرص المستقبلية
رغم وضوح أهمية هذا النهج، إلا أن تطبيقه الفعلي يواجه عدة تحديات، منها:
-
ضعف التنسيق بين القطاعات المعنية.
-
نقص التمويل والكوادر المتخصصة في الصحة الواحدة.
-
غياب قواعد بيانات مشتركة بين وزارات الصحة والبيئة والزراعة.
-
إلا أن المستقبل يحمل فرصاً واعدة من خلال:
-
استخدام التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والتحليل الجينومي في التنبؤ بالأمراض ومراقبتها.
-
إنشاء شبكات بحثية إقليمية لتبادل البيانات حول الأمراض الحيوانية المنشأ.
-
دمج مفهوم الصحة الواحدة في المناهج الأكاديمية لطلاب الطب والطب البيطري والعلوم البيئية.
-
إن نهج الصحة الواحدة ليس مجرد مفهوم نظري، بل هو ضرورة استراتيجية لمواجهة التحديات الصحية العالمية المعقدة.
صحة الإنسان والحيوان والبيئة تمثل مثلثاً مترابطاً لا يمكن معالجة ضلعٍ منه بمعزل عن الآخر.
وبالتالي، فإن تبني سياسات واستراتيجيات قائمة على التعاون بين القطاعات المختلفة، وتطبيق برامج مراقبة واستجابة مشتركة، يمثل الطريق الأمثل نحو تحقيق أمن صحي وغذائي وبيئي مستدام.
المراجع
-
World Health Organization (WHO). (2023). One Health Joint Plan of Action (2022–2026). Geneva: WHO Press.
-
Food and Agriculture Organization (FAO). (2024). One Health Approach for Sustainable Food Systems. Rome.
-
World Organisation for Animal Health (WOAH). (2023). The One Health Concept: Connecting People, Animals, and the Environment.
-
Centers for Disease Control and Prevention (CDC). (2024). Zoonotic Diseases and One Health.
-
Mackenzie, J. S., & Jeggo, M. (2023). The One Health Approach—Why Is It So Important? Tropical Medicine and Infectious Disease, 8(2): 51.
-
FAO, UNEP, WHO, WOAH. (2022). Quadripartite One Health Joint Plan of Action.
-
OIE Annual Report. (2024). Global Surveillance of Zoonotic Diseases. Paris.