بقلم: الدكتور/ أحمد محمد أبوزيد
باحث بمعهد بحوث الصحة الحيوانية- صحة الأغذية-معمل أسيوط
لطالما اعتمد الإنسان على طرق بسيطة وموروثة لحفظ الأطعمة، وخصوصاً الأسماك التي تُعدّ مصدراً هاما للبروتين في الغذاء، لكنها سريعة التلف. كان التمليح التقليدي هو سيد الموقف، حيث يُغمر السمك بكميات كبيرة من الملح لسحب الرطوبة منه، مما يمنع نمو البكتيريا ويطيل من عمره الافتراضي. هذه الطريقة، وإن كانت فعالة في الحفظ، إلا أنها تحمل في طياتها بعض العيوب الجوهرية ومن أهمها تغيير في الخواص الحسية للأسماك مثل التغير في اللون وفقدان قوامها الطري، وتصبح أكثر صلابة. كما أن المذاق يتغير بشكل كبير، ويصبح الملح هو الطعم المهيمن، مما يطغى على النكهة الطبيعية للأسماك كما أن زيادة نسبة الملح عن الحدود المسموح بها يؤثر على صحة مرض الكلى والضغط بالإضافة إلى ذلك، تحتاج عملية التمليح التقليدية إلى وقت طويل وجهد كبير، وتتطلب ظروف تخزين معينة بعيدا عن تقلبات الجو والغبار والحشرات وفي أوانى مناسبة حتى لا يحدث تفاعل بين مكونات الاناء والملح وتكوين مواد سامة لتجنب فساد المنتج. هذه العيوب دفعت الباحثين والمبتكرين للبحث عن حلول تجمع بين فعالية الحفظ والحفاظ على جودة المنتج الغذائي.
التمليح بالتبريد السريع: قفزة نوعية في عالم حفظ الأسماك
هنا يبرز دور تقنية التمليح بالتبريد السريع (Rapid Cold Brining) كأحد الحلول التى تعالج الكثير من عيوب الطرق التقليدية.
وتعتمد هذه التقنية المبتكرة على غمر الأسماك في محلول ملحي مركز او عن طريق تركها بالملح الجاف والتبريد بدرجات حرارة منخفضة جداً، وقريبة من التجمد. تعمل هذه الظروف مجتمعة على إحداث تأثير مزدوج للحفظ.
مميزات التمليح بالتبريد السريع:
* الحفاظ على الجودة العالية: هذه التقنية تحافظ على قوام السمك الطري ونكهته الطبيعية بشكل أفضل بكثير من التمليح التقليدي، حيث لا يصبح السمك شديد الملوحة أو قاسياً.
* سرعة المعالجة: تتم عملية التمليح بشكل أسرع نظراً للتفاعل الكيميائي والفيزيائي الفعال بين البرودة والملح.
*البرودة الشديدة: تبطئ بشكل كبير جداً نشاط البكتيريا والإنزيمات المسؤولة عن فساد الأسماك، مما يطيل عمرها الافتراضي دون الحاجة إلى تركيز عالٍ جداً من الملح.
* المحلول الملحي: يقوم بسحب جزء من الرطوبة من خلايا الأسماك، ويُحدِث تغييراً في الضغط الأسموزي، مما يثبط نمو الكائنات الدقيقة. كما أن التمليح في درجات حرارة منخفضة يسمح بامتصاص الملح بشكل أكثر تجانساً وسرعة، وبكميات أقل مقارنة بالطرق التقليدية.
* سلامة الغذاء: التبريد السريع يققل من نمو البكتيريا بسبب درجات الحرارة المنخفضة ويضمن منتجاً أكثر أماناً وصحة للمستهلك.
* مرونة الاستخدام: يمكن استخدام هذه التقنية لمجموعة واسعة من أنواع الأسماك، وتُعدّ مثالية للاستخدام الصناعي والتجاري لضمان وصول المنتج بأعلى جودة.
* تقليل الهدر: بفضل تحسين طرق الحفظ، يقلل الهدر الناتج عن تلف الأسماك بشكل ملحوظ.
خطوات عملية التمليح بالتبريد السريع:
تُعدّ عملية التمليح بالتبريد السريع دقيقة وتتطلب اتباع خطوات محددة لضمان أفضل النتائج، وهي كالتالي:
1- اختيار وتجهيز الأسماك:
- يجب اختيار أسماك طازجة جداً ذات جودة عالية و صالحة للاستهلاك الادمى، حيث أن جودة المنتج النهائي تعتمد بشكل كبير على جودة المادة الخام.
- يتم تنظيف الأسماك جيداً وإزالة الأحشاء و الخياشيم حسب نوع السمك والغرض من التمليح. في بعض الحالات، يمكن ترك الأسماك كاملة (خاصة الأسماك الصغيرة) أو تقطيعها إلى شرائح أو فيليه.
- يُفضل غسل الأسماك جيداً بالماء البارد بعد التنظيف لإزالة أي بقايا.
2- التمليح والتبريد السريع:
- عملية التمليح: يتم تحضير محلول ملحي بالتركيز المطلوب (عادةً ما يكون تركيز الملح أقل مما هو مستخدم في التمليح التقليدي، ويتراوح عادةً بين 5% إلى 15% أو أكثر قليلاً حسب نوع السمك والمدة المطلوبة ثم يتم غمر الأسماك فيه.
- يمكن إضافة مكونات أخرى للمحلول لتحسين النكهة أو الخصائص المضادة للميكروبات، مثل السكر، بعض التوابل، أو مواد حافظة طبيعية معتمدة.
- عملية التبريد السريع: تبريد المحلول الملحي المحتوى على الأسماك إلى درجات حرارة منخفضة جداً، عادة ما تكون قريبة من نقطة التجمد للمحلول (مثلاً، من -1 درجة مئوية إلى 5 درجات مئوية، أو حتى أقل من ذلك حسب التقنية المستخدمة). يتم ذلك باستخدام وحدات تبريد خاصة أو إضافة الثلج النظيف مباشرة إلى المحلول.
ملحوظة: يُحافظ على درجة حرارة المحلول ثابتة ومنخفضة جداً طوال فترة التمليح.
* تختلف مدة الغمر حسب نوع السمك وحجمه وسمكه والتركيز المطلوب للملح في المنتج النهائي. يمكن أن تتراوح من بضع ساعات إلى يوم أو أكثر. خلال هذه الفترة، ينتقل الملح ببطء وتجانس إلى داخل أنسجة الأسماك بينما تُثبط البرودة نمو البكتيريا.
3- التعبئة والتخزين:
- بعد انتهاء فترة التمليح، تُزال الأسماك من المحلول وتُشطف سريعاً بالماء البارد إذا لزم الأمر لإزالة الملح الزائد من السطح.
- تُعبأ الأسماك المملحة والمبردة في عبوات محكمة الغلق، والتي قد تكون عبوات مفرغة من الهواء (Vacuum packaging) لزيادة مدة الصلاحية.
- تُخزن المنتجات النهائية في درجات حرارة تبريد منخفضة جداً (عادةً ما تكون قريبة من صفر درجة مئوية) حتى وقت الاستهلاك أو النقل.
هذه الخطوات تضمن الحصول على منتج سمكي مبرّد ومملح جزئياً، يحتفظ بقوامه ونكهته الطبيعية المميزة لفترة أطول من الأسماك الطازجة، ويكون أكثر جودة من الأسماك المملحة بالطرق التقليدية.
موضوعات هامة
مبيعات كسب الصويا الأمريكي تصل إلى 169,4 ألف طن في أسبوع
الولايات المتحدة تبيع 737.8 ألف طن من القمـح خلال الأسبوع الماضي
الولايات المتحدة تبيع 170.4 طنًا من الـذرة خلال الأسبوع الماضي
مبيعات فول الصـويا الأمريكية الأسبوعية تسجل 467.8 ألف طن
نصائح لتطبيق التمليح بالتبريد السريع والاستفادة منه:
لضمان الحصول على أفضل النتائج عند تطبيق تقنية التمليح بالتبريد السريع، سواء على المستوى التجاري أو المنزلي، يجب مراعاة النصائح التالية:
- النظافة أساس النجاح: يجب التأكد من أن جميع الأدوات المستخدمة، والأسماك نفسها، والبيئة المحيطة، نظيفة ومعقمة تماماً حيث أن أي تلوث قد يؤدي إلى فساد المنتج بالرغم من وجود الملح والبرودة.
- جودة الأسماك هي المفتاح: يجب البدء باستخدم أسماك طازجة جداً صالحة للاستهلاك الادمى حيث أن تقنية التمليح بالتبريد السريع تحافظ على جودة الأسماك، ولكنها لا تستطيع تحسين جودة أسماك بدأت بالفساد.
- تحكم دقيق بالحرارة: المحافظة على درجة حرارة المحلول الملحي والأسماك ثابتة ومنخفضة جداً طوال عملية التمليح والتخزين حيث أن أي ارتفاع في درجة الحرارة قد ينشط البكتيريا.
- التعبئة الصحيحة: بعد التمليح، يجب التعبئة في عبوات محكمة الغلق، ويفضل أن تكون بتقنية تفريغ الهواء (Vacuum Sealing)، خطوة حاسمة لإطالة عمر المنتج ومنع التلوث.
- التخزين الأمثل: يجب تخزين الأسماك المملحة بالتبريد السريع في درجات حرارة منخفضة جداً (قريبة من الصفر المئوي) للحفاظ على جودتها وسلامتها لأطول فترة ممكنة.
الخلاصة:
تعد تقنية التمليح بالتبريد السريع خطوة جيدة نحو تغيير الوضع التقليدي لحفظ الأسماك، مقدمةً حلولاً مبتكرة تجمع بين الجودة الفائقة، السلامة الغذائية، والفعالية الاقتصادية. فبدلاً من فقدان الأسماك لقوامها ونكهتها بفعل التمليح الكثيف، أو سرعة تلفها عند التخزين البسيط، أصبحت لدينا اليوم القدرة للحصول على منتجات ذات جودة عالية، وآمنة لفترة أطول لكل من المستهلك والبيئة. هذه التقنية ليست مجرد طريقة جديدة للحفظ، بل هي قفزة نوعية نحو مستقبل غذائي أفضل بالتقليل من هدر الغذاء ومن الوقت المطلوب في عملية التصنيع.
تابع التطورات الإضافية للوضع في سوق الحبوب على موقعنا.