المدير التنفيذي
أ / إسلام رضا

التغيرات المناخية وتأثيرها على الثروة الحيوانية

بقلم : الدكتورة /  ساره على جاد
باحث أول بمعهد بحوث الصحة الحيوانية بالزقازيق

الوقود الأحفوري ( الفحم والنفط والغاز) هو إلى حد بعيد أكبر مساهم في تغير المناخ العالمي إذ يمثل أكثر من 75 % من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية وحوالي 90 في المائة من جميع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ونظرًا لتواجدها في الغلاف الجوي للأرض فإن انبعاثات غازات الدفيئة تحبس حرارة الشمس وهذا يؤدي إلى الاحتباس الحراري وتغير المناخ حيث ترتفع درجة حرارة العالم حاليا بشكل أسرع من أي وقت مضى في التاريخ وبمرور الوقت، تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى تَغيُّرات في أنماط الطقس واضطرابات في توازن الطبيعة المعتاد وهو ما يشكل مخاطر عديدة على البشر وجميع أشكال الحياة الأخرى على الأرض.

أسباب تغير المناخ:

1- توليد الطاقة
يتسبب توليد الكهرباء والحرارة عن طريق حرق الوقود الأحفوري في جزءٍ كبير من الانبعاثات العالمية ولا يزال توليد معظم كميات الكهرباء يتم عن طريق حرق الفحم أو الزيت أو الغاز وينتج عن ذلك ثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتروز وهي غازات دفيئة قوية تغطي الأرض وتحبس حرارة الشمس. على الصعيد العالمي يأتي أكثر من ربع الكهرباء بقليل من طاقة الرياح والطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة الأخرى التي ينبعث منها القليل من غازات الدفيئة أو الملوثات في الهواء على عكس الوقود الأحفوري.
2- تصنيع البضائع
ينتج عن الصناعات التحويلية انبعاثات معظمها يأتي من حرق الوقود الأحفوري لإنتاج الطاقة لصنع أشياء مثل الأسمنت والحديد والصلب والإلكترونيات والبلاستيك والملابس وغيرها من السلع, كما يطلق التعدين والعمليات الصناعية الأخرى الغازات كما هو الأمر بالنسبة لصناعة البناء. وغالبًا ما تعمل الآلات المستخدمة في عملية التصنيع على الفحم أو الزيت أو الغاز وايضا بعض المواد مثل البلاستيك مصنوعة من مواد كيميائية مصدرها الوقود الأحفوري، فالصناعات التحويلية هي واحدة من أكبر المساهمين في انبعاثات غازات الدفيئة في جميع أنحاء العالم
3- قطع الغابات
إن قطع الغابات لإنشاء مزارع أو مراعي أو لأسبابٍ أخرى يتسبب في انبعاثات لأن الأشجار عند قطعها تطلق الكربون الذي كانت تخزنه ويتم تدمير ما يقارب 12 مليون هكتار من الغابات كل عام. ونظرًا لأن الغابات تمتص ثاني أكسيد الكربون فإن تدميرها يحد أيضًا من قدرة الطبيعة على إبقاء الانبعاثات خارج الغلاف الجوي وتعد إزالة الغابات إلى جانب الزراعة والتغيرات الأخرى في استخدام الأراضي مسؤولةً عن ما يقارب ربع انبعاثات غازات الدفيئة العالمية.
4- استخدام وسائل النقل
تعمل معظم السيارات والشاحنات والسفن والطائرات بالوقود الأحفوري مما يجعل النقل مساهمًا رئيسيًا في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وخاصةً انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وتمثل مركبات الطرق الجزء الأكبر من احتراق المنتجات القائمة على البترول مثل البنزين في محركات الاحتراق الداخلي. لكن الانبعاثات من السفن والطائرات أيضًا مستمرةٌ في الازدياد. والنقل مسؤولٌ عن ما يقارب ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية المرتبطة بالطاقة. وتشير الاتجاهات إلى زيادةٍ كبيرة في استخدام الطاقة لأغراض النقل خلال السنوات القادمة
5- إنتاج الغذاء
يتسبب إنتاج الغذاء في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان وغازات الدفيئة الأخرى بطرقٍ مختلفة، ومن أسباب ذلك إزالة الغابات وإخلاء الأراضي لأغراض الزراعة والرعي، وعمليات الهضم لدى الأبقار والأغنام، وإنتاج واستخدام الأسمدة والسماد الطبيعي لزراعة المحاصيل، و استخدام الطاقة لتشغيل معدات المزرعة أو قوارب الصيد باستخدام الوقود الأحفوري عادةً. كل ذلك يجعل إنتاج الغذاء مساهماً رئيسياً في تغير المناخ وتأتي انبعاثات غازات الدفيئة أيضًا من عمليات تعبئة الطعام وتوزيعه.

6- تزويد المباني بالطاقة
على الصعيد العالمي تستهلك المباني السكنية والتجارية أكثر من نصف الكهرباء. ومع استمرارها في الاعتماد على الفحم والنفط والغاز الطبيعي للتدفئة والتبريد تنبعث منها كميات كبيرة من غازات الدفيئة. وقد ساهم تزايد الطلب على الطاقة للتدفئة والتبريد مع زيادة حيازة أجهزة تكييف الهواء فضلاً عن زيادة استهلاك الكهرباء للإضاءة والأجهزة والأجهزة المتصلة في زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة من المباني في السنوات الأخيرة
7- استهلاك الكثير
إن منزلك واستخدامك للطاقة وكيفية تنقُّلك وما تأكله وكميات الطعام التي تتخلص منها كلها عوامل تساهم في انبعاثات غازات الدفيئة. وكذلك هو الحال بالنسبة لاستهلاك البضائع مثل الملابس والإلكترونيات والبلاستيك. يرتبط جزءٌ كبير من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية بالمنازل الخاصة إذ أن لأنماط حياتنا تأثيرٌ عميق على كوكبنا. ويتحمل الأغنياء المسؤولية الأكبر: فأغنى 1 في المائة من سكان العالم مجتمعين يتسببون في انبعاثات لغازات الدفيئة أكثر مما يتسبب به أفقر 50 في المائة من السكان.

اثار تغير المناخ:

1- أرتفاع درجات الحرارة
مع ارتفاع تركيزات غازات الدفيئة ترتفع درجة حرارة سطح الأرض. وقد كان العقد الماضي(2011-2020) الأكثر دفئًا على الإطلاق. ومنذ الثمانينيات كان كل عقدٍ أكثر دفئًا من العقد السابق. وتشهد جميع مناطق اليابسة تقريبًا المزيد من الأيام الحارة وموجات الحر. تزيد درجات الحرارة المرتفعة من حدوث الأمراض المرتبطة بالحرارة وتجعل العمل في الهواء الطلق أكثر صعوبةً وتشتعل حرائق الغابات بسهولة أكبر وتنتشر بسرعة أكبر عندما تكون الأجواء أكثر سخونةً.
2- عواصف أشد
أصبحت العواصف المدمرة أكثر حدةً وتكرارًا في العديد من المناطق ومع ارتفاع درجات الحرارة يتبخر المزيد من النداوة مما يؤدي إلى تفاقم هطول الأمطار الغزيرة والفيضانات ويتسبب بالتالي في المزيد من العواصف المدمرة. كما يتأثر تواتر ونطاق العواصف الاستوائية بارتفاع درجة حرارة المحيطات إذ تشتد الأعاصير والزوابع والأعاصير الاستوائية بوجود المياه الدافئة على سطح المحيط وغالبًا ما تدمر مثل هذه العواصف المنازل والمجتمعات وتتسبب في وفيات وخسائر اقتصادية فادحة.
3- زيادة الجفاف
يؤدي تغير المناخ إلى تغيير توفر المياه مما يجعلها أكثر ندرةً في المزيد من المناطق ويؤدي الاحترار العالمي إلى تفاقم نقص المياه في المناطق الفقيرة بالمياه كما يؤدي إلى زيادة مخاطر الجفاف فيما يخص الزراعة، ويؤثر بالتالي على المحاصيل ويزيد الجفاف البيئي من ضعف النُظُم البيئية. يمكن أن يثير الجفاف أيضًا عواصف رملية وترابية مدمرة يمكن أن تنقل مليارات الأطنان من الرمال عبر القارات كذلك فإن الصحاري آخذةٌ في التوسع مما يقلل من مساحة الأرض المتوفرة لزراعة الغذاء. ويواجه الكثير من الناس الآن خطر عدم الحصول على ما يكفي من المياه بشكلٍ منتظم
4- ارتفاع درجة حرارة المحيطات
تمتص المحيطات معظم حرارة الاحتباس الحراري وقد ازداد معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات بشدة خلال العقدين الماضيين عبر جميع أعماق المحيطات. ومع ارتفاع درجة حرارة المحيطات يزداد حجمها مع تمدد المياه بسبب ارتفاع درجة حرارتها. كما يتسبب ذوبان الصفائح الجليدية في ارتفاع مستويات سطح البحار، مما يهدد المجتمعات الساحلية والجُزُرية. وبالإضافة إلى ذلك تمتص المحيطات غاز ثاني أكسيد الكربون وتمنعها من الانطلاق نحو الغلاف الجوي، لكن زيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون تجعل المحيطات أكثر حمضيةً مما يعرض الحياة البحرية والشعاب المرجانية للمخاطر.
5- فقدان الأنواع
يشكل تغير المناخ مخاطر على بقاء الأنواع على الأرض وفي المحيطات. وتزداد هذه المخاطر مع ارتفاع درجات الحرارة. يتفاقم فقد الأنواع بسبب تغير المناخ إذ يفقد العالمُ الأنواعَ بمعدلٍ أكبر 1000 مرة من أي وقتٍ مضى في التاريخ البشري المدون وهناك مليون نوع من الكائنات الحية معرضون لخطر الانقراض خلال العقود القليلة القادمة. وتعد حرائق الغابات والطقس القاسي والآفات والأمراض الغازية من بين العديد من التهديدات المتعلقة بتغير المناخ. وفي حين أن بعض الأنواع ستكون قادرةً على الانتقال والبقاء على قيد الحياة فإن البعض الآخر لن يتمكن من ذلك.
6- نقص الغذاء
تُعدُّ التغيرات في المناخ وزيادة الظواهر الجوية المتطرفة من بين الأسباب الكامنة وراء الارتفاع العالمي في معدلات الجوع وسوء التغذية. إذ قد يتم تدمير مصايد الأسماك والمحاصيل والماشية أو تصبح أقل إنتاجيةً. ومع ازدياد حمضية المحيطات أصبحت الموارد البحرية التي تغذي مليارات البشر معرضةً للخطر. وقد أدت التغيرات في الجليد والغطاء الجليدي في العديد من مناطق القطب الشمالي إلى تعطيل الإمدادات الغذائية من مصادر الرعي والصيد وصيد الأسماك. ويمكن أن يؤدي الإجهاد الحراري إلى تقليل المياه والأراضي العشبية الصالحة للرعي مما يتسبب في انخفاض غلة المحاصيل ويؤثر على الثروة الحيوانية.
7- مزيد من المخاطر الصحية
إن تغير المناخ هو أكبر تهديدٍ صحيٍ يواجه البشرية حيث تضر تأثيرات المناخ بالفعل بالصحة من خلال تلوث الهواء والأمراض والظواهر الجوية الشديدة والتهجير القسري والضغوط على الصحة العقلية وزيادة الجوع وسوء التغذية في الأماكن التي لا يستطيع الناس فيها زراعة المحاصيل أو العثور على غذاءٍ كافٍ. وفي كل عام تودي العوامل البيئية بحياة ما يقارب 13 مليون شخص. وتؤدي أنماط الطقس المتغيرة إلى انتشار الأمراض وتزيد الظواهر الجوية المتطرفة من الوفيات وتجعل من الصعب على أنظمة الرعاية الصحية مواكبة الأمر.
8- الفقر والنزوح
يزيد تغير المناخ من العوامل التي تضع الناس وتبقيهم في حالة فقر. وقد تجرف الفيضانات الأحياء الفقيرة في المدن وتدمر المنازل وسُبُل العيش. ويمكن أن تجعل الحرارةُ العملَ في الوظائف الخارجية صعبًا. وقد تؤثر ندرةُ المياه على المحاصيل. على مدى العقد الماضي (2010-2019) أدت الأحداث المتعلقة بالطقس إلى نزوح ما يقدر بنحو 23.1 مليون شخص في المتوسط ​​كل عام مما ترك الكثيرين عرضةً للفقر بشكلٍ أكبر ويأتي معظم اللاجئين من البلدان الأكثر ضعفاً والأقل استعداداً للتكيف مع آثار تغير المناخ.

تأثير التغيرات المناخية على الثروة الحيوانية بمصر:
إن أهم التغيرات المناخية هي ارتفاع درجة حرارة الأرض والانبعاثات الكربونية ولهذه التغيرات تأثيرات سلبية على الزراعة والثروة الحيوانية حيث يزداد التصحر والجفاف وهذا بدوره أثر على قلة الموارد المائية اللازمة للزراعة واحتياجات الحيوان للمياه وبالتالي تقل الخامات العلفية والزراعات العلفية والغذائية وتزداد أسعارها.
وهذا التغير المناخي ينعكس على صحة الحيوان كون ان ارتفاع الحرارة وزيادة الانبعاثات الكربونية تزيد من الاجهاد الحراري وهو أحد أسباب نفوق الدواجن في الصيف وكذلك انخفاض الإنتاجية سواء للدواجن أو إنتاج البيض ونسب الخصوبة والفقس وأوزان التسمين وتؤثر ايضا على الماشية وخاصة السلالات الحلابة حيث يقل إنتاج اللبن كمًا وكيفًا وتتأثر نسبة الدهون به مما ينعكس سلبا على قيمته الغذائية والسعرية وقيمته التصنيعية لمنتجات الألبان. التغيرات المناخية من أهم المؤثرات على الثروة الحيوانية خاصة الأبقار والجاموس، فـالحر الشديد نتيجة الاحتباس الحراري نتج عنه تأثير سلبي على خصوبة الحيوانات وكذلك يؤدي إلى زيادة معدلات نفوق الأجنة في الحيوانات في أعمار مبكرة لا تتخطى 3 أشهر وأيضا تزيد نسب الإجهاض نتيجة الإجهاد الحراري.
وهناك ايضا تأثيرات سلبية للتغيرات المناخية على فسيولوجيا الجسم والخصوبة والتناسليات، بالإضافة إلى اختلال في وبائية الأمراض وانتشارها جغرافيا واختلال في مسار تحرك الطيور المهاجرة وكذلك نواقل وعوائل المسببات المرضية المختلفة.كما أن نسبة الوفاة في مواليد الحيوانات من قبل كانت لا تزيد عن 3 بالمئة لكن نتيجة التغيرات المناخية أصبحت تصل إلى 40 بالمئة أي أن التغيرات المناخية تهدر ما يقترب من نصف الثروة الحيوانية.
وأستضافت مصر مؤتمر المناخ كوب 27 وأعلنت أنها تتخذ إجراءات شاملة للتحول نحو الاقتصاد الأخضر في شتى المجالات لمواجهة التغيرات المناخية وتخفيض الانبعاثات الكربونية.
وأكد وزير الزراعة المصري خلال القمة أن تغير المناخ يمثل تهديدا وجوديا للكثير من الدول والمجتمعات، وأن أجهزة وزارة الزراعة تعمل على مواجهة الأمراض الحديثة التي تصيب الحيوان والنبات نتيجة التغيرات المناخية من أجل حفظ الأمن الغذائي وتحقيق التوازن البيئي.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1