المدير التنفيذي
أ / إسلام رضا

4 شركات بينهم (كارجيل) تسيطر على 85 % من صناعة اللحوم الأمريكية

أسعار اللحوم اليوم
Share on facebook
Share on twitter
Share on telegram

لا تزال صناعة اللحوم الأمريكية تواجه تحديات بعد أعوام من اضطرابات متواصلة في سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الإنتاج، إذ أدت الجائحة إلى مشكلات في الإنتاج بسبب احتياطات السلامة، ما جعل من الصعب على الشركات المنتجة تلبية الطلب المتزايد.

ودفعت التحديات الاقتصادية والسياسية، التي نشأت في أعقاب تراجع مخاطر وباء كورونا، إلى تنامي الضغط على الصناعة عموما، حيث برز التضخم كتحد للعملية الإنتاجية بارتفاع تكاليف المدخلات وتواصل نقص العمالة وزيادة الطلب، ما دفع بمنتجي اللحوم إلى زيادة الأسعار، التي تعزز توقعات تعرض الطلب على اللحوم في أمريكا لتغييرات جمة، أبرزها تغيير سلوك الشراء استجابة للتضخم.

في الواقع تبدو تلك العوامل منطقية في تأثيرها في الصناعة ومستقبلها، لكنها في الحقيقة لا تعد العامل الوحيد أو الأوحد الذي يشكل سوق اللحوم في الولايات المتحدة، فقلة من القطاعات الاقتصادية الأمريكية أثارت جدلا بالمستوى ذاته الذي أثارته صناعة اللحوم، تحديدا لحوم الأبقار في الولايات المتحدة.

وفي ذلك الشأن تقول الدكتورة آنا ليفينج ستون الاستشارية السابقة في الصندوق الدولي للتنمية الزراعية “إن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن عدت الاحتكار المفرط السائد في سوق صناعة اللحوم الأمريكية مصدرا رئيسا للضعف في سلسلة الإمدادات الغذائية في البلاد، وأحد أسباب التضخم المرتفع الذي يعانيه المستهلك الأمريكي”.

وأضافت “صرح البيت الأبيض في وقت سابق من العام الماضي بأن أربع شركات أمريكية تسيطر بمفردها على 85 في المائة من سوق لحوم الأبقار، و54 في المائة من سوق الدواجن، بل إن البيت الأبيض عد أن هناك تضاؤلا في حصة المزارعين من الأرباح، وأن حصتهم من سعر مبيعات لحوم الأبقار تحديدا تراجعت من 51.5 إلى 37.3 في المائة في وقت ارتفعت فيه أسعار اللحوم التي يشتريها المواطن، وأن أسعار اللحوم والدواجن أكبر مساهم في ارتفاع تكلفة الطعام الذي يتم استهلاكه”.

من خارج الصناعة تبدو المراحل المختلفة لعملية الإنتاج بسيطة وسلسة، مربو الماشية يقومون بتربية الأبقار ويبيعونها لاحقا لمصنعي اللحوم، وفي سوق تنافسية فإن العرض والطلب يحددان السعر، لكن هذه الطريقة لا تعمل لأن أكبر أربع شركات أمريكية لتعبئة لحوم الأبقار تتمتع بقوة سوقية كبيرة، فيمكنها استخدام نفوذها للضغط على مربي الماشية وتحديد الأسعار بطريقة تلائمها. ويشير تقرير صادر عن البيت الأبيض إلى أن بعض أكبر شركات تصنيع اللحوم الأمريكية وهي تايسون وجي بي إس ومارفريج وسي بورد حققت زيادة في الأرباح الإجمالية بلغت 120 في المائة، وارتفع صافي دخلها 500 في المائة.

ويصبح التساؤل: كيف استطاعت أربع شركات فقط أن تستحوذ على قدر كبير من سوق اللحوم الأمريكية خاصة لحوم الأبقار المعلبة وتفرض هيمنتها على السوق؟ لكن أولا وقبل كل شيء: من هؤلاء الأربع الكبار؟ تقول كورا فوكس نائب رئيسة جمعية الماشية الزرقاء البريطانية “إن هذه الشركات هي ناشونال بيف وكارجيل وجي بي إس الأمريكية وتايسون، وفي الحقيقة إنها أكثر من مجرد ورثة لإرث الثقافة الغذائية الأمريكية، حيث يتمتع استهلاك لحوم الأبقار المعلبة بشعبية كبيرة، إنها شركات دولية عملاقة متعددة الجنسيات، اثنتان منها تمتلك أغلبيتهما العظمى شركات برازيلية، وفي الواقع فإنه في 2020 ومع انتشار جائحة كورونا تم انتقاد عديد من شركات اللحوم الأمريكية بسبب كمية اللحوم المصدرة في وقت كانت فيه الأسواق الأمريكية في أمس الحاجة اليها، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل يتعارض مع مصالح المستهلك الأمريكي”.

وبالطبع فإن الأربع الكبار لم تتطور إلى عمالقة بين عشية وضحاها، ففي منتصف السبعينيات لم تسيطر إلا على أقل من 20 في المائة من سوق تعليب اللحوم، لكن التغييرات التي جرت لدى مزارعي الذرة ومحال البقالة كانت سببا في تعاظم حصة وقوة تلك الشركات.

ففي فترة السبعينيات حدث طلب هائل على المنتجات الزراعية وحقق المزارعون في الولايات المتحدة مداخيل مالية مرتفعة، تلك الأموال دفعت المزارعين ومربي الماشية إلى القيام باستثمارات جديدة في المجال الزراعي لزيادة مداخيلهم النقدية، وكان الشكل الأبرز للاستثمار يتم في مجال تسمين الماشية خاصة في ظل الطفرة الطبية في ذلك الوقت في مجال المضادات الحيوية للمواشي والأعلاف وتطور التقنيات الوراثية للماشية.

بحلول أوائل الثمانينيات حدثت طفرة في إنتاج الحبوب، وأدى ذلك إلى زيادة كبيرة في المعروض، وانخفضت أسعار الحبوب بشدة، وتعرض مزارعو الحبوب لخسائر حادة خاصة لدى المزارعين الذين حصروا نشاطهم الاقتصادي في مجال الزراعة فقط، أما الذين نوعوا نشاطهم الاقتصادي ليدخلوا عالم تربية وتسمين المواشي فقد حققوا أرباحا ضخمة نتيجة الانخفاض الشديد في أسعار العلف.

ومع تزايد قوة مربي الماشية والعاملين في مجال التسمين، اتجهوا إلى توحيد قدرتهم معا، بحيث يتحكم اليوم أقل من 5 في المائة من ملاك حظائر التسمين في الولايات المتحدة في 80 في المائة من سوق الأبقار، ويقع معظمهم في خمس ولايات فقط، وتزامن ذلك مع عمليات دمج في قطاع البقالة الأمريكي في تسعينيات القرن الماضي، وبحلول 2019 كان أكبر أربعة تجار تجزئة للمواد الغذائية في الولايات المتحدة يحصلون على 40 في المائة من المبيعات وفي المناطق الحضرية بلغت النسبة 70 في المائة.

اتجاه التوحد والدمج سواء بين مربي الماشية أو محال البقالة دفع بشركات إنتاج لحوم الأبقار إلى السير في المسار ذاته، حتى لا تكون الحلقة الأضعف في الصناعة، ومع مرور الوقت تصاعدت القوة التي تمتلكها شركات تصنيع لحوم الأبقار، من هنا يعتقد كثيرون أن الحد من تلك القوة أمر بالغ الأهمية ليس فقط لضمان أن تكون الأسعار في متناول المستهلكين، لكن لحماية الأمن الغذائي الأمريكي.

وعلى سبيل المثال تعرضت شركة جي بي إس التي تنتج نحو خمس احتياجات السوق الأمريكية من لحوم الأبقار المعبئة لهجوم إلكتروني كلفها 11 مليون دولار فدية، وأسفر عن إرباك العملية الإنتاجية في الشركة، ما انعكس على قدرتها على إمداد السوق باحتياجاتها ومن ثم ارتفعت الأسعار.

وتعمل الإدارة الأمريكية على تقديم تسهيلات ائتمانية لصغار منتجي اللحوم، في مسعى لتفتيت القوى الاحتكارية للشركات الكبرى، لكن المشكلة أن الحرب الروسية – الأوكرانية أدت إلى ارتفاع أسعار العلف، ما ألقى بعبء ثقيل على مربي الماشية المستقلين، الذين لم يستطيعوا التصدي لشروط الشراء، التي تفرضها الشركات الكبرى في ظل القوة الاحتكارية التي يتمتعون بها.

وفي ظل وجود عدد قليل من المشترين في السوق، تجادل الآن مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي من الحزبين بأن هذا الوضع يقتل الريف الأمريكي ويجبر أصحاب المزارع المستقلين على ترك العمل ويؤدي إلى رفع أسعار الاستهلاك بطريقة لا يمكن التنبؤ بها.

مع هذا تعرب مجموعة أخرى من الخبراء عن مخاوفها بشأن زيادة التدخل الحكومي في قطاع اللحوم، ويبنون مخاوفهم من منطلق أن الارتفاع الراهن في الأسعار ارتفاع مؤقت.
ويعلق سكوت ويلسون الباحث الاقتصادي في مجال الزراعة وتربية الحيوان ، قائلا “يجب الأخذ في الحسبان أن الزيادة السعرية الراهنة في أسعار اللحوم ناجمة عن تداعيات فترة جائحة كورونا ونقص الأيدي العاملة، فقد أدى هذا الوضع إلى زيادة المعروض من الأبقار الحية، ومن ثم انخفضت أسعارها”.

وينفي سكوت ويلسون أن يكون الأمر متعلقا بهيمنة أربع شركات رئيسة على السوق كما يروج البيت الأبيض، مرجحا أن تكون زيادة الصادرات من لحوم الأبقار الأمريكية عامة وإلى الصين خاصة العام الماضي أدت إلى ضغط على منتجي اللحوم للحفاظ على معدلات إنتاج مرتفعة، ودفعت بالأسعار إلى أعلى.

مع هذا فإن أغلب التقديرات ترجح أن تواصل أسعار لحوم الأبقار الارتفاع، خاصة أن الطلب الدولي لا يزال قويا، إلا أن هذا الوضع قد يحفز المستهلكين على تقليص مشترياتهم من اللحوم أو استبدالها بأقل تكلفة مثل لحوم الدواجن.

الأخبار ذات الصلة

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1