المدير التنفيذي
أ / إسلام رضا

فتنة الثيران الزرقاء

د. محمد المخزنجي

 

فى سنة 1808 قام أحد مُلاحظي تربية الماشية البلجيك ويُدعى «جورج كولى» بتسجيل أول حالة لهجين تمخضت عنه سلالة أبقار عجيبة الضخامة، نتجت من تناسل قسري بين بقرة بلجيكية رشيقة وثور إنجليزى ربعة (من نوع الـشورت هورن)، وكان الوليد الأول عجلا غير مسبوق الحجم والشكل، فهو فى ضعف حجم أى عجلٍ عادىٍّ وليد، وعضلاته نامية بشكل لافت تحت جلده المشدود، المُغطى بشعر رمادي خفيف ضارب إلى الزرقة. ومن هذه الزرقة أُخِذت تسمية السلالة «الثيران البلجيكية الزرقاء» Belgian Blue bulls، برغم أن ألوانها تنوعت وتعددت بعد ذلك. وكانت تلك بداية الفتنة!

 

سنوات قلائل وصارت تلك السلالة صرعة أوروبا التى كانت استعمارية لاتزال، فقد اكتشف جزاروها أن تحت جلودها كنزًا من اللحم الأحمر الخالص الذى لا يخالطه أى دهن، فى صورة عضلات يناهز وزنها طنًّا، وكل عضلة مُحددة وواضحة المعالِم، توافِر فرصة لـ «قطعيات ممتازة» من لحم ثبت عند تقديمه فى المطاعم الفاخرة، أنه خلاب المنظر فى الأطباق، طرى وهش وشهى المذاق عند المضغ، وسريع النضج على نار هادئة قبل ذلك. هكذا بسطت فتنة الثيران البلجيكية الزرقاء أرضية تمددت عليها، واستفحلت، متلازمة عبادة الضخامة والانخطاف بالصورة، بلا تأمل لأية احتمالات سلبية فى ثنايا الضخامة، أو زيف ماثل وراء خُيلاء الصورة. وبالطبع كان تفقُّد أحوال هذا البقر، فى هذه الصناعة اللاحمة، مما لا يتوقف أمامه روادها الأوروبيون، حتى بعض العلماء، فبعد أن كان التناسل الانتقائى للحصول على هذه السلالة يتم عنوة، بدفع الذكور إلى الإناث فى الحظائر وخارج مواسم الفطرة، قام البروفيسور «هانزت» ــ أحد رواد الإخصاب الصناعى فى خمسينيات القرن الماضى ــ بتطبيق خبرته البحثية للحصول على أبقار منتقاة من هذا النوع، دون أى اعتبار لمشاعر الإناث المُنتزَعة بويضاتهن غصباً، والذكور المحصودة حيامنهم بالتهييج الزور!

 

العلم فى الحظائر

دخل العِلم الأوروبي على خط الصرعة، ودخلت أبقار الصرعة إلى الولايات المتحدة عام 1978، وفى الولايات المتحدة دخل العِلم ساحة هذه الأبقار، وكان الدخول على يد «نك تيوتي» مربى الماشية الكندي المُهاجر إلى غرب تكساس، الذى نجح فى اجتذاب اهتمام العلماء من الجامعات الأمريكية المحيطة بحظائره. بعدها، لم ينقطع العِلم عن التواجد في مراتع ومرابع قطعان اللحم الأحمر الخالص هذه! ومع التطور العلمى فى مجالات بيولوجيا التناسل والجينات والهندسة الوراثية وتغذية الحيوان، راحت أسرار بزوغ وتفاقم ظاهرة الثيران «الزرقاء» تتكشف، وتتمادى. ثبت أن الظهور الأول للثور البلجيكى الأزرق، سليل الأم البلجيكية الرشيقة والأب الإنجليزى الربعة، نتج عن طفرة وراثية أطلقت تكوينا مفرطا لبروتين تشكيل العضلات دون دهون، مع بقاء نمو العظام فى حدود عادية. ولم تُعرف خبايا هذه الطفرة إلا بعد استكمال الصورة علميا، والتى تطلبت عقودا لاستقرارها. وكانت كلمة السر فى كل ذلك: «الميوستاتين» myostatin، (حيث myo تعنى عضلة وstatin تعنى إيقاف)!

 

من منطوق الكلمة، نفهم أن مادة الميوستاتين تعمل على كبح أو إيقاف نمو العضلات، وبما أن نمو عضلات الثيران البلجيكية حدث فيه العكس، فإن المعنى ينصرف إلى حدثٍ مضادٍ أبطل مفعول هذه المادة الكابحة لنمو العضلات، وهذا ما كان منذ البداية، فالتناسل الانتقائي الأول أحدث طفرة أزالت أو أبطلت عمل الجين المسؤول عن توليد هرمون، أو بروتين، أو مادة الميوستاتين فى جسم الجنين الهجين، ومن ثم انطلقت عضلاته تنمو دون كابح، ودون تناسُب مع حجم وكثافة العظام التى ظلت ضمن مستواها العادى، وصار الجنين عِجلا، ثم ثورا (أو بقرة)، ويحمل فى كل المراحل كتلةً ضخمةً من العضلات على عظام عادية. وبالغوص فى دقائق الأمور، تبين أن تضخم كتل العضلات ليس سببه تضخم أليافها، بل زيادة الخلايا، ومن ثم زيادة الألياف فى كل عضلة. لهذا راجت تسمية هذه الأبقار «مزدوجة العضلات»، على اعتبار أن زيادة حجم عضلاتها تضاعف بتضاعف ألياف كل عضلة، مع بقاء الألياف على سمكها الطبيعى، وإلى ذلك يُرجِعون نعومة وطراوة وهشاشة وسرعة نضج هذا اللحم، برغم غياب الدهون التى اعتادها الناس توشِّى اللحم العادى، وتعطيه مظهرا مرمريا تُعزى إليه النعومة والطراوة! وكانت تلك فتنة مُضافة!

 

من الميلاد حتى الموت أو الذبح

 

منذ البداية، وبينما العجل البلجيكى الأزرق المسكين فى بطن أمه، يتغول نمو عضلاته ذات اللحم الأحمر على نمو مفاصله وكفاءة قلبه ورئتيه، ونظرا لضخامة حجمه مع كبسة اللحم على قناة الولادة لدى أمه، والتى تصير نفقا ضيقا خانقا، لا يولد ولادة طبيعية إلا وتكون عَسِرة، لا ينجو بحياته منها غير القليل، وإذا نجا واحدهم فإنه لا يقوى على الوقوف إلا متأخرا، وعندما يستطيع الوقوف لا يمشى إلا قليلا من ثقل ما يحمل من لحم على عظامه الضعيفة بالمقارنة. ولأن نصيب لسانه من النمو يكون كبيرا كما سائر عضلاته، فإن الصغير لا يستطيع أن ينعم برضاعة طبيعية من ضرع أمه، فلسانه المتضخم يُعيقه عن الالتقام. بطيئا ينمو جنسيا، وبطيئا يصل إلى البلوغ، وبرغم ضخامة خصيتيه يكون ماء ذكورته شحيحا وحيامنه واهنة، وعندما تستيقظ حواسه على نداء الخصب فى مواسم التزاوج عند الأنثى، يعجز عن حمل نفسه بالغة الثقل للقيام بواجب الزوجية، إلا باقتحام أيادى ورافعات البشر، تعاونه فى هذه اللحظة الحرجة، فتأتى النشوة معجونة بالقهر والمهانة. وإذا تم عبور كل هذه المراحل بكل ذلك الحرَج، تأتى آلام الحامل عند الولادة، والتى لا تكون إلا عُسرا وعذابا قاتلين فى أكثر الحالات، للأم، أوللجنين، أو لهما معا. لكن مستثمرى المواشى لكل تلك الخسائر لا يستسلمون، وإن كانوا لا يتعاطفون مع آلام هذه الكائنات البكماء؟

 

لاستبعاد كل ما سبق من خسائر، قام مستثمرو الأبقار الزرقاء بتحويلها إلى «مصانع لحم حية»، وهذا ما كانت توصف به كِنايةً وزهواً، وهاهى تتحول بالفعل إلى مصانع وكأنها آلات لا حياة فيها، فصعوبة اللقاء الطبيعى الحميم لإرواء نداء التزاوج عندها، عوَّضها المستثمرون بوسائل الإخصاب الصناعى الفظة والمُهينة حتى للبقر، وعسر الولادات الطبيعية للنسل المأمول جرى تحاشيه بجراحات قيصرية وحشية، أما عجز الوليد عن الرضاعة من ضرع أمه فاستبدلوه بالإرضاع الصناعى من «ببرونة»، وتظل التغذية بعد ذلك مدعومة بتدخل البشر، وكأن هذه الكائنات فى ملاجئ للمُعاقين، لكنهم معاقون يجرى تسمينهم للذبح، فنهم عضلات اللحم الأحمر الخالص للنمو تحت الجلود، يتطلب إضافات بروتينية لدعم تكوين بروتين عضلات هذه الأبقار، وليس معروفا كنه هذه الإضافات.. مسحوق نفايات لحم حيوانى؟ دم ذبائح السلخانات؟ إضافات هرمونية؟ الله أعلم، والله يُجزى المُسيئين؟!

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1