المدير التنفيذي
أ / إسلام رضا

بيض الدجاج ينقذ العالم من كورونا

أمريكا تستخدم بيض الدجاج لإنتاج اللقاحات

مع كل صباح، تحرس سيارات أمن تابعة للحكومة الفيدرالية في العاصمة واشنطن، آلافاً من عبوات بيض الدجاج، لتنقلها من مزارع محاطة بالسرية الكاملة، إلى معامل ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، لإنتاج لقاحات مضادة للإنفلونزا، وهو الأمر الذي تعده الولايات «مسألة» أمن قومي.

وخلال الثمانين عاماً الماضية، اعتمد العالم على بيض الدجاج لإنتاج لقاحات الإنفلونزا، واستثمرت الحكومة الأمريكية خلال الـ 15 عاماً الماضية، مئات الملايين من الدولارات لضمان وجود ما يكفي من البيض للقاحات.

وتشير أحدث الإحصاءات إلى أن الأمريكيين استخدموا حوالي 174.5 مليون جرعة من لقاح الإنفلونزا خلال موسمها هذا العام وحتى نهاية فبراير، منها ما يقدر بنحو 82٪ من البيض، وفقاً لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.

بدأ العلماء في استكشاف استخدام البيض في إنتاج اللقاحات في الثلاثينات، وأجرى الباحثون في إنجلترا التجارب الأولى عام1937، وفي العام التالي وجدت الولايات المتحدة أنه يمكنها حماية جيشها باستخدام لقاح الإنفلونزا. 

وكان اللقاح القائم على البيض متاحاً للأمريكيين بحلول الأربعينات.

تتشارك مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة وغيرها من المختبرات في شراكة مع منظمة الصحة العالمية (WHO) لاختيار سلالات فيروس معينة لإرسالها إلى شركات تصنيع اللقاحات الخاصة.

 ويمكن أن تتحور فيروسات الإنفلونزا، وتتغير السلالات كل عام، وهذا يعني أن هناك حاجة إلى لقاحات جديدة لكل موسم الإنفلونزا.

تبدأ عملية إنتاج اللقاح الجديد، بحقن الفيروس المختار في بيض دجاجة مخصبة، حيث يحتضن ويتكاثر لبضعة أيام تماماً كما يفعل داخل مضيف بشري، ثم يقوم العلماء بحصد السوائل التي تحتوي على الفيروس من البيضة. 

ومن ثم التعرف على «المستضدات» التي تفرز لإبطال فاعلية الفيروس. ويعرف العلماء «المستضد» بأنه العنصر الحاسم والمادة التي يطلقها الفيروس وتحفز الجهاز المناعي على الاستجابة.

تستغرق العملية بأكملها، منذ وصول البيضة إلى اللقاح المتاح للجمهور، ستة أشهر على الأقل، وفقاً لمركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في واشنطن. وقال متحدث باسم «سانوفي باستور»، أكبر مصنع لإنتاج لقاح الإنفلونزا في الولايات المتحدة، إن عقوداً تتجاوز ملايين الدولارات يتم إبرامها مع مزارع متخصصة لإنتاج سلالات فائقة الجودة من بيض الدجاج،لاستخدامها في إنتاج اللقاحات، مشيراً إلى أن الإنفلونزا الموسمية تكلف الولايات المتحدة سنوياً أكثر من 10 مليارات دولار.

وقال ليو بون، رئيس علوم مختبرات الصحة العامة في جامعة هونج كونج، إن البيض ليس مفيدًا فقط للقاحات الإنفلونزا، بل يمكن استخدامه على الأرجح لتطوير لقاحات لأمراض أخرى. يعتمد الأمر فقط على المرض، لأن بعض سلالات الفيروس لا يمكن احتضانها داخل البيض.

وتساءل الكاتب الصحفي عبد الرحمن السلطان نقلاً عن موضع الرياض ، لماذا يتأخر توفير لقاح فيروس كورونا المستجد؟ السبب ببساطة عدم كفاية مزارع الدواجن “السرية”!. 

نعم، قد يتعجب البعض من ذلك، لكن البيض وبالطبع توافر الدجاج البيّاض يلعب دورًا أساسيًا في إنتاج مثل هذا اللقاح، فمثلًا نحتاج على الأقل إلى 900 ألف دجاجة تبيض بيضة واحدة يوميًا لمدة تتراوح بين ستة إلى تسعة أشهر حتى نستطيع تغطية احتياج سكان الولايات المتحدة وحدها!

الإشكالية الكبرى هنا أن شركات الأدوية لا تستطيع أن تستثمر في إنتاج لقاحات قد لا يشتريها أحد، خصوصًا أن دورة اكتشاف وتطوير اللقاح، ثم إنتاجه من ملايين البيض قد تستغرق مدة تقارب العام، حينها تكون جائحة الفيروس قد تراجعت واندثرت، مثلما حصل مع لقاح فيروس “سارس” الذي ما إن بدأ الإنتاج إلا وانحسر الفيروس!

ولكن قبل القصة المثيرة لمزارع الدواجن السريّة تلك، دعونا نتعرف على طريقة إنتاج لقاحات الفيروسات؛ إذ تعد طريقة الاستزراع بواسطة بياض البيض هي الطريقة الأكثر استخدامًا منذ الخمسينيات، تبدأ بكزّ البيضة بحقنة تحتوي على الفيروس، ثم تحضن فترة محددة، ثم يُجز رأس البيضة بما لا يتجاوز عُشر حجمها، ثم يستخلص البياض ويُغزل ثم يُغسل، لضمان نقاوة الفيروس، ثم يقطع أو يضعّف، ليستكمل خطوات الصناعة الصيدلية حتى يكون جاهزًا للحقن.

المهم هو ما بدأ بعد أسابيع من أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، حينما تلقى عددٌ من المسؤوليين الأميركان طرودًا بريدية تحتوي على بودرة بيضاء مجهولة عُرف لاحقًا أنها جرثومة الجمرة الخبيثة. وبالطبع لم يكن اللقاح متوافرًا؛ لأنه ليس مجديًا تجاريًا أن تنتج لقاحًا لا يدفع ثمنه أحد! في تلك الأثناء تأسست هيئة حكومية لتطوير الأبحاث الحيوية الطبية المتقدمة BARDA، التي تولت زمام التصدي للتهديدات الحيوية، فدخلت في شراكات بحثية مع شركات الصيدلة ومركز الأبحاث، وتشاركت تكاليف التطوير وبناء المنشآت ومصاريف الباحثين، والأهم أنها التزمت بشراء كميات ضخمة سنوية من لقاحات الفيروسات التي يمكن أن تشن بها حروبًا حيوية أو تتفشى في المجتمع، تخزّن في مواقع متفرقة، وبالطبع لإنتاج هذه الكميات الضخمة من اللقاحات لا بد من مزارع دواجن ضخمة، فكان أن أنشأت عددًا من مزارع الدواجن الضخمة في مواقع سرية بعموم الولايات المتحدة! يقدر عددها بنحو 35 مزرعة بتكلفة تجاوزت 44 مليون دولار، ناهيك عن أن عدد الشركات ومراكز الأبحاث قفز من شركة واحدة إلى 20 شركة ومركز بحث خلال 18 عامًا، وحاليًا تعاقدت الهيئة مع شركتين تسابقان الزمن لاكتشاف اللقاح، ثم إنتاجه تجاريًا بعد موافقة هيئة الغذاء والدواء الأميركية.

يتعجب كثيرون من صعوبة إنتاج لقاح، والحقيقة أن القصة ليست مجرد اكتشاف المركب، بقدر توافر نظام متكامل من سلسلة مراكز الأبحاث والترخيص والصناعة والرقابة… وبالطبع مزارع الدواجن “السرية”!

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

1